الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
264
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف : 31 ] إلّا أن كلمة سادة قريش كانت أقرب إلى الأدب من كلمة فرعون لأن هؤلاء كان رسولهم من قومهم فلم يتركوا جانب الحياء بالمرة وفرعون كان رسوله غريبا عنهم . وقوله فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أساورة مِنْ ذَهَبٍ [ الزخرف : 53 ] لأنه مشابه لما تضمنه قول صناديد قريش عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف : 31 ] فإن عظمة ذينك الرجلين كانت بوفرة المال ، ولذلك لم يذكر مثله في غير هذه القصة من قصص بعثة موسى عليه السلام ، وقولهم : يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ [ الزخرف : 49 ] وهو مضاه لقوله في قريش هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ [ الزخرف : 30 ] ، وقوله : فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ [ الزخرف : 55 ] الدالّ على أن اللّه أهلكهم كلّهم ، وذلك إنذار بما حصل من استئصال صناديد قريش يوم بدر . فحصل من العبرة في هذه القصة أمران : أحدهما : أن الكفار والجهلة يتمسكون بمثل هذه الشبهة في رد فضل الفضلاء فيتمسكون بخيوط العنكبوت من الأمور العرضية التي لا أثر لها في قيمة النفوس الزكية . وثانيهما : أن فرعون صاحب العظمة الدنيوية المحضة صار مقهورا مغلوبا انتصر عليه الذي استضعفه ، وتقدم نظير هذه الآية غير مرة . و إِذا حرف مفاجأة ، أي يدل على أن ما بعده حصل عن غير ترقب فتفتتح به الجملة التي يفاد منها حصول حادث على وجه المفاجأة . ووقعت الجملة التي فيها إِذا جوابا لحرف ( لمّا ) ، وهي جملة اسمية و ( لمّا ) تقتضي أن يكون جوابها جملة فعلية ، لأن ما في إِذا من معنى المفاجأة يقوم مقام الجملة الفعلية . والضحك : كناية عن الاستخفاف بالآيات والتكذيب فلا يتعيّن أن يكون كل الحاضرين صدر منهم ضحك ، ولا أن ذلك وقع عند رؤية آية إذ لعل بعضها لا يقتضي الضحك . [ 48 ] [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 48 ] وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 48 ) الأظهر أن جملة وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها في موضع الحال ، وأن الواو واو الحال وأن الاستثناء من أحوال ، وما بعد إِلَّا في موضع الحال ،